ابن قيم الجوزية
514
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الثاني : مقت الشح . فإنه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار . فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار . الثالث : الرغبة في مكارم الأخلاق . وبحسب رغبته فيها : يكون إيثاره . لأن الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق . قال « الدرجة الثانية : إيثار رضى اللّه على رضى غيره . وإن عظمت فيه المحن . وثقلت فيه المؤن ، وضعف عنه الطّول والبدن » . إيثار رضى اللّه عزّ وجلّ على غيره : هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ، ولو أغضب الخلق . وهي درجة الأنبياء . وأعلاها للرسل عليهم صلوات اللّه وسلامه . وأعلاها لأولي العزم منهم . وأعلاها لنبينا صلى اللّه عليه وسلم وعليهم ، فإنه قاوم العالم كله . وتجرد للدعوة إلى اللّه . واحتمل عداوة البعيد والقريب في اللّه تعالى . وآثر رضى اللّه على رضى الخلق من كل وجه . ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم . بل كان همّه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة اللّه ، وتبليغ رسالاته ، وإعلاء كلماته ، وجهاد أعدائه . حتى ظهر دين اللّه على كل دين . وقامت حجته على العالمين . وتمت نعمته على المؤمنين . فبلّغ الرسالة . وأدّى الأمانة . ونصح الأمة . وجاهد في اللّه حق جهاده . وعبد اللّه حتى أتاه اليقين من ربه . فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال . صلوات اللّه وسلامه عليه . وأما قوله : « وإن عظمت فيه المحن . وثقلت فيه المؤن » . فإن المحنة تعظم فيه أولا ، ليتأخر من ليس من أهله . فإذا احتملها وتقدم انقلبت تلك المحن منحا . وصارت تلك المؤن عونا . وهذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة . فإنه ما آثر عبد مرضاة اللّه عزّ وجلّ على مرضاة الخلق ، وتحمل ثقل ذلك ومؤنته ، وصبر على محنته : إلا أنشأ اللّه من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ، ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته . فانقلبت مخاوفه أمانا ، ومظانّ عطبه نجاة ، وتعبه راحة ، ومؤنته معونة ، وبليته نعمة ، ومحنته منحة ، وسخطه رضى . فيا خيبة المتخلفين ، ويا ذلّة المتهيبين . هذا ، وقد جرت سنة اللّه - التي لا تبديل لها - أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته : أن يسخط عليه من آثر رضاه ، ويخذله من جهته . ويجعل محنته على يديه . فيعود حامده ذاما . ومن آثر مرضاته ساخطا . فلا على مقصوده منهم حصل ، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل . وهذا أعجز الخلق وأحمقهم . هذا مع أن رضى الخلق : لا مقدور ، ولا مأمور ، ولا مأثور . فهو مستحيل . بل لا بد من سخطهم عليك . فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضى اللّه عنك أحب إليك وأنفع لك من أن يسخطوا عليك واللّه عنك غير راض . فإذا كان سخطهم لا بدّ منه - على التقديرين - فآثر سخطهم الذي ينال به رضى اللّه . فإن هم رضوا عنك بعد هذا ، وإلا فأهون شيء رضى من لا ينفعك رضاه ، ولا يضرك سخطه في دينك ، ولا في إيمانك ، ولا في آخرتك . فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط اللّه أعظم وأعظم . وخاصة العقل : احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما . وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما . فوازن بعقلك . ثم انظر أيّ الأمرين خير